ابن قيم الجوزية

237

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الصديق لعمر - رضي اللّه عنهما - التي تلقاها بالقبول هو وسائر الصحابة « واعلم أن للّه حقا بالليل لا يقبله بالنهار . وحقا بالنهار لا يقبله بالليل » . قالوا : ولأنها إذا فات وقتها المحدود لها شرعا لم تبق تلك العبادة بعينها . ولكن شيء آخر غيرها . فإذا فعلت العصر بعد غروب الشمس لم تكن عصرا فإن العصر صلاة هذا الوقت المحدود . وهذه ليست عصرا . فلم يفعل مصليها العصر البتة . وإنما أتى بأربع ركعات صورتها صورة صلاة العصر ، لا أنها هي . قالوا : وقد ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « من ترك صلاة العصر حبط عمله » وفي لفظ « الذي تفوته صلاة العصر ، فكأنما وتر أهله وماله » فلو كان له سبيل إلى التدارك وفعلها صحيحة : لم يحبط عمله . ولم يوتر أهله وماله ، مع صحتها منه وقبولها . لأن معصية التأخير عندكم لا تحقق الترك والفوات ، لاستدراكه بالفعل في الوقت الثاني . قالوا : وهذه الصلاة مردودة بنص الشارع . فلا يسوغ أن يقال بقبولها وصحتها ، مع تصريحه بردها وإلغائها . كما ثبت في الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم من حديث عائشة رضي اللّه عنها قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد » وفي لفظ « كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد » وهذا عمل على خلاف أمره . فيكون ردا . و « الرد » بمعنى المردود ، كالخلق بمعنى المخلوق ، والضرب بمعنى المضروب . وإذا ثبت أن هذه الصلاة مردودة ، فليست بصحيحة ولا مقبولة . قالوا : ولأن الوقت شرط في سقوط الإثم ، وامتثال الأمر . فكان شرطا في براءة الذمة والصحة ، كسائر شروطها - من الطهارة ، والاستقبال ، وستر العورة « 1 » - فالأمر تناول الشروط تناولا واحدا . فكيف ساغ التفريق بينها مع استوائها في الوجوب والأمر والشرطية ؟ قالوا : وليس مع المصححين لها بعد الوقت لا نص ولا إجماع ، ولا قياس صحيح . وسنبطل جميع أقيستهم التي قاسوا عليها . ونبين فسادها . قالوا : وفي « مسند » الإمام أحمد وغيره من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « من أفطر يوما من رمضان ، لغير عذر . لم يقضه عنه صيام الدهر » فكيف يقال : يقضيه عنه يوم مثله ؟ . قالوا : ولأن صحة العبادة : إن فسرت بموافقة الأمر . فلا ريب أن هذه العبادة غير موافقة له . فلا تكون صحيحة . وإن فسرت بسقوط القضاء . فإنما يسقط القضاء ما وقع على الوجه المأمور به . وهذا لم يقع كذلك . ولا سبيل إلى وقوعه على الوجه المأمور به . فلا سبيل إلى صحته . وإن فسرت بما أبرأ الذمة . فهذه لم تبرىء الذمة من الإثم قطعا . ولم يثبت بدليل يجب المصير إليه إبراؤها للذمة من توجه المطالبة بالمأمور . قالوا : ولأن الصحيح من العبادات : ما اعتبره الشارع ورضيه وقبله . وهذا لا يعلم إلا

--> ( 1 ) بل الوقت أهم . فقد عفا اللّه للمعذور وتجاوز له عن الطهارة المائية ، وعن استقبال القبلة وستر العورة . ولم يعف عن الوقت مطلقا .